عن السأم يتلون لدنى غالي: تجليات الذات في مرآة المنفى

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
13/03/2010 06:00 AM
GMT



صدرت عن دار "طوى للنشر والإعلام" في لندن المجموعة القصصية الجديدة التي إنضوت تحت عنوان "السأم يتلوّن" للقاصة العراقية دُنى غالي المُقيمة في الدنمارك منذ عام 1992. وقد أشارت القاصة في خاتمة الكتاب الى أنَّ هذه "النصوص" قد كُتبت بين عامي 1998 و2009. ويبدو أن الكاتبة لا تريد أن تقولب قارئها في جنس أدبي صارم، مُحدّد الملامح سلفًا، لذلك إرتأت أن تُطلق على محتويات هذا الكتاب "نصوصًا"، وليس قصصٌا قصيرة، على سبيل المثال لا الحصر. وفي واقع الأمر أن هذه "النصوص" مفتوحة على أجناسٍ أدبيةٍ أخرى كالشعر والكتابة الحرّة التي تستغور "الذات الخلاقة" في سويعات البوح "الأنوي" الصادق الذي يمزّق كل الأستار والحُجب الواهية التي تضطره لأن يتراجع وينسحب الى قوقعة الذات أو يلج الى خانق العزلة المؤقتة.
يكتشف القارئ الحصيف الذي يدقِّق في النصوص المفتوحة لدُنى غالي أن هناك منحىً مرآويًا يعكس بشكلٍ واضح "أنا" الكاتبة بوصفها مادة لهذه النصوص، إضافة الى كونها خالقة للنصوص الابداعية ومُنتِجة لها.
يشكِّل النص الأول "حذف متعمّد" مُفتتحًا ممتازًا للدخول في الثنائية الأنوية التي تتمثل في "أنا" الكاتبة أو ضمير الشخص المتكلم، و "أنا" الرجل الذي قد يكون زوجًا، أو شخصًا مُتخَيّلا، أو صديقًا قديمًا قريبًا الى الروح وما الى ذلك. كما أن هذا النص يلعب مثل نصوص أخرى على ثنائية الـ "هنا" والـ "هناك"، حيث تمثل الـ "هنا" أمكنة أوروبية قد تكون باريس كما في هذا النص أو كوبنهاغن أو أية مدينة أوروبية كانت الكاتبة قد وطأت أرضها كما في نصوص أخرى. أما الـ "هناك" فغالبا ما يكون البصرة أو أية مدينة أخرى عراقية كانت الكاتبة قد زارتها أو تعرّفت عليها بشكلٍ يمكِّنها من أن تكون ساحةً مناسبةً لأحداث نصوصها المفتوحة. أما روح الكاتبة فقد ظلّت تترجّح بين الخط الوهمي الذي يصل البلاد بوصفها مركزًا طاردًا للأبناء بفعل الأنظمة المستبدة وبين المنفى بوصفه مكانًا مُستقبِلاً للمقموعين والباحثين عن حياةٍ حرّة كريمة. وعلى الرغم من أن المعالجات التي تستهدف الجانب الأنوي وتحاول أن تغوص فيه إلا أن التركيز ينصّب كثيرًا على "أنا" الكاتبة، وينقِّب في تفاصيل عالمها الأنثوي الذي يبدو، مع الأسف، مُحبَطًا، ومكبَّلاً، ومُصادَرًا وغير مَرضي عنه الى حدٍ ما. أي أن فضاء الحريّة، وأسباب العيش الكريم لم يُنقذاها من احباطات أخرى ولدّها المنفى بوصفه مكانا مُهمِّشًا للشخصية المغترِبة التي لم تجد نفسها هي الأخرى في المكان الجديد، وإنما تظل تتحرك في منتصف النقطة الافتراضية التي يلتقي فيها العالَمان، الطارد والمُستقبِل. يتوتّر نص "علْكة بنكهة الكرَز" بسبب سياقه التصادمي القائم على الثنائية المتضادّة حيث يتقابل "الأنا" و "الهو" كضدّين لدودين، إذ تفتتح النص بمقولة "الحزن أثقل وأبقى من الفرح" وكأنها تذكِّرنا بثنائية التراجيديا والكوميديا، المأساة والملهاة، وأيهما أصلب وأرسخ وأكثر تأثيرًا. ثمة حرب صامتة تُشبه البركان الذي يغلي تحت سطح جليدي. فتارةً تتواطئ معه وتؤازره، وتارةً أخرى تثور عليه وتناكده، ربما بسبب "خذلانه ومرارته التي ينقلها معه أينما حلّ أو إرتحل، أو بسبب محاولاته المتواصلة "لأن يسحبها حثّيثًا الى أعتاب الفراغ". النص الوحيد الذي ارتضت فيه الكاتبة أن تنظر الى، هذا الـ "هو" أو "الآخر" نظرة محادية، أو تضعه في موقفٍ محايد لا تطرّف فيه هو نص "صباح عارض"، وهو للمناسبة من النصوص المهمة التي تعالج قضية الحياة اليومية في المنفى الأوروبي معالجةً دقيقةً حساسة لما تنطوي عليه من رصدٍ ذكي للتفاصيل الصغيرة التي قد لا ينتبه إليها كثيرون.
المُعطى المكاني
ثمة نصوص كثيرة في هذا الكتاب تتوفر على معطيات المنفى المكاني حيث تلعب الحاسّة الشمّية دورًا مهمًا في الإشارة إليه. فالخريف هنا خريف دنماركي خاص، على وجه التحديد، ربما لأن هناك بحيرة لازوردية "أنيقة" مُحاطة بأشجار البلّوط، وسماء صافية كما تراها زميلتها التي تتحدث بنَفَسِ عاشقةٍ رومانسيةٍ مُتيّمة. أما هي، كاتبة النص، وبطلتهُ، ومُبدعتهُ فتنقلنا الى البصرة دُفعةً واحدة لتنبّهنا الى ظاهرةٍ معروفة، وهي أن الناس لا تشعر بفصل الخريف، وحقيقة الأمر، نحن لا نشعر بفصلين مهمين، وهما الربيع والخريف، الأمر الذي يدفع منهجنا السلوكي الى التطرّف، وكأنَّ الفصول غير المُنتظمة تُنتج أناسًا مُضطرِبين وغير مُنتظمين. يبدو الجزء الأول من هذا النص مثل مشهد خارجي تصوّره عدسة سينمائية. أما الجزء الثاني من النص فيبدو مثل مشهدٍ داخلي أمام كاميرا مولعة بتسجيل التفاصيل الصغيرة مثل تدافع الطالبات أمام المرآة الوحيدة في القسم الداخلي. وبين خريف الدنمارك الذي لا تشمّه الكاتبة، على الرغم من قوة حاسة شمِّها، وبين خريف البصرة الخاطف الذي تتذكره بوضوح تختفي صديقتها فيما يظل عطرها مثل خشب طري يحترق.
يُحيلنا نص "نَعيق" الى العاصمة الدنماركية كوبنهاغن حيث تسكن بطلة القصة، وهي بالضرورة الكاتبة نفسها التي قد تتستر بضمير المتكلم حينما لا تجد حرجًا. يتمحور لقاء البطلة مع صديقتها "العرّافة" التي قرأت برج الصبي بسهولة، فيما تلكأت في قراءة برج البنت لأنه محيّر ويحتاج الى مزيد من التأمل. وبعد أن تتشكى البطلة من تربية ابنها الذي يرّد لها الصاع صاعين ولا يجد حرجًا في أن يلعنها حينما تلعنه! ينفتح النص الى مناقشة جملة من الآراء الحساسة التي تتمثل في أوجه التشابه والاختلاف بين القيم والمفهومات الشرقية والغربية. فطائر البوم الذي نُطلق عليه نحن الشرقيين وصف "طائر الشؤم" يسمّيه الغربيون بـ "طائر الحكمة". ثم يأخذ النقاش طابعًا بوحيًا يتلعق بالديانتين السماويتين الاسلام والمسيحية. ثم ينحرف النقاش الى طابع المناكدة، إذ تحرِّضها البطلة على إدمان رقصات "اللامبادا" و "الصالصا" بدل الادمان على "علكة النيكوتين"، ثم نكتشف أنها "ترفض الرقصات الحسيّة" مثلما ترفض البطلة الرقص الشرقي الذي تعتبره "رمزًا لعصر الجواري لأن لغاية منه هو امتاع الرجل". هذا النمط الحواري الحسّاس يكشف النقاب عن آراء البطلة، وهو جزء جوهري من آراء الكاتبة، كما أنه يقدّم صورةً صادقةً لطبيعة العلاقة القلقة بين المهاجرين والسكّان الأصليين.
قبل أن نتناول نص "صباح عارض" وقضية المنفى أجد من المفيد نتوقف قليلاً عند نص "المؤقت" الذي ينطوي على مفارقة جميلة بين الرجل المتزمِّت الذي يريد أن يلّم شمل زوجته، ولكنه يخشى عليها من أن تختلط مع بقية الأجانب خشية أن يمسها أحد أو يتطلع الى مفاتنها الأنثوية، ويصل به الأمر الى حد تثبيت حاجزٍ خشبي لكي يفصل صالة النساء عن الرجال، كما أنه لا يسمح باختلاط زوجته مع بقية الناس سواء أكانوا عراقيين أم أجانب بحجة العادات والتقاليد التي يؤمن بها. غير أن المشرفة على السكن المؤقت جاءت بنتائح فحوصات الـ "دي، أن أي والأسنان" المتعلقة بولده فتبيّن أن هناك اختلافًا في المعلومات التي قدّمها الأب الى دائرة الهجرة، لذلك يتوجب عليه أن يمثل أمام محكمة لتقديم توضيحات دامغة تفكّ هذا الالتباس الذي يشي بخيانة زوجته! أما نص "صباح عارض" الذي بَنَتْهُ الكاتبة على وفق مستويات ثلاثة، فهي إما أن تكون ضجرة ومتوترة من زوجها وهذا هو الاحتمال الأكبر، أو أن وضعها النفسي متدهور جدًا جرّاء الدورة الشهرية. أما الاحتمال الثالث فهو بسبب صداع الرأس الذي يصيبها بين أوانٍ وآخر. كما يكشف النص عن مساحة اليأس والسأم والضجر الذي يولّده المنفى على الرغم من تأمينه لهاجس الطعام وهامش الحرية. فالمنفى أيضًا قد يُفقِد الانسان إنسانيته إذا أمّن له الحاجات الجسدية، وأهمل حاجاته الروحية والانسانية المهمة التي يكاد يشبه وجودها مثل وجود "بيضة القبان" التي تغيّر المعادلة لمصلحة الشخص المنفي، ولا تقف ضد حاجاته الوجودية التي تعزِّز ذاته كفرد فاعل في المجتمع، وليس كعالة ثقيله عليه.
إحالات أخرى
تستمّد الكاتبة دُنى غالي موضوعات بعض نصوصها المفتوحة من قصص أخرى كتبها قصاصون وأدباء عراقيون معروفون أمثال الكاتب والخطاط محمد سعيد الصكار. فنص "رجل بلواعج الاصفر" مستوحى  من قصة معروفة إسمها "لواعج الأصفر" وأظن أن اللوحة المخطوطة التي شاهدناها في نص "أوراق مهملة" قد تعود الى محمد سعيد الصكار أيضًا لما لهذا الفنان من تأثير على دنى غالي، قاصة وانسانة، ولطبيعة العلاقة الابداعية والروحية والانسانية التي تربط الصكار بأسرة الكاتبة دنى غالي.
والنص أعلاه يتناول رحلة رجل طاعن السن يحمل حقيبة تحتوي على أشياء ثمينة جدًا. وقبل أن يصل الى فتحة الباب بعشر خطوات  ينهال عليه التراب.
تنتمي دُنى غالي الى نمط الكاتبات الجريئات اللواتي يعبّرن عن حقيقة مشاعرهم من دون خشية أو تردد. وقد يحتاج القارئ الى متابعة دقيقة، وربما الى أكثر من قراءة ليمسك بهذه الاحالات الايروسية الجريئة التي جاءت متماهية ضمن سياقات النصوص التي كتبتها. ففي مُستهّل نص "يقظات" تفاجئنا بجملة إيروسية تُحيل الى فضاء العلاقات الحميمة حينما تقول: "رائحة رجل غيرك عالقة بي". ثم تختم النص بجملة جريئة جدًا لتعرّي المشاعر الحقيقية التي كانت تنتابها وطبيعة التداعيات التي أحسّت بها بعد أن تضمّخ جسدها برائحته القوية النفّادة التي تنطوي على قدر كبير من الإيحاء. ثمة نصوص كثيرة في هذا الكتاب تتحدث عن العلاقات الحميمة مثل "تكرار" و "ظلمة" وغيرهما، غير أننا سنتوقف في هذا المقال عند هذين النصين لأكثر من سبب. فـ "تكرار" تمزج بين نوعين من الهجوم وهما الهجوم الجوي الأميركي على العراق، والهجوم الايروسي الذي يشنّه الرجل على المرأة. ومن خلال جملتي الاستهلال والاختتام نكتشف المقارنة الذكية التي تعقدها الكاتبة بين الأعراض التي يخلّفها الهجوم الكيمياوي والأعراض التي يخلّها الهجوم الإيروسي. "قالوا إن تساقطت الأوراق/ إن هوى الطير/ إن شعرت بدوار/ فهو الفناء". والمقصود بالفناء هنا هو "فناء العاشق في معشوقته". يجب التنويه الى أن حاسة الشم هي المتسيّدة في هذا النص. أما النص الأخير في مضمار العلاقات الحميمة فهو نص "ظلمة" الذي أعتبره من أنضج النصوص، وأكثرها قوةً ورمزيةً وايحاء مع فرق وحيد وهو أن حاسة السمع هي التي تهيمن هذا النص الإيروسي الذي يكشف عن أسلوبها الدال والمكثّف الذي يميل الى قوة الرصد، ودقة الالتقاط، وتفادي الجانب الوصفي فلا غرابة أن نجد في هذا النص لوحده، وهو للمناسبة نص قصير، "44" فعلاً، تنتهي سلسلته الطويلة بـ "يلهث، يلج ويخترق" الأمر الذي يكشف عن أهمية الجانب الحركي في نصوص دنى غالي التي تشتغل بتقنية التطريز الذي ينّم عن دقةٍ وجماليةٍ واضحتين.
إن مَنْ يقرأ "حرب نامة" مجموعتها القصصية الأولى التي رأت النور عام 1998، وروايتيها "النقطة الأبعد" و "عندما تستيقظ الرائحة"، وكذلك مجموعتها الشعرية "حديقة بعطر رجل" سيكتشف من دون لأي أن القاصة والروائية والشاعرة دُنى غالي تمتلك وعيًا لغويًا عميقًا، فلا غرابة أن تطوِّع اللغة وأن "تتلاعبَ" بها كما تشاء وهي "تشعرِن" النص القصصي والروائي، و "تُسرْدِن" النص الشعري بعفوية واضحة ومن دون زيف أو افتعال. فبالاضافة الى الدقة المحسوبة في كتابة نصها الابداعي الذي يخلو من الترهلات والتورمات السرطانية الزائدة التي تُثقِل كاهل النص فإن أسلوبها اللغوي عمومًا يتراسل مع أجناس أدبية عديدة في النص الواحد الى الدرجة التي يشعر بها القارئ وكأنه يقرأ نصًا مُهجّنًا. وفي الختام لابد أن نحيّي الكاتبة المتميزة دُنى غالي على نصوصها المتفردة التي تغرّد فيها خارج السرب وهي تجترح عالمها السردي الخاص الذي لا يحتفي بالأفكار السائدة والمألوفة.